عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
58
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [ الأنفال : 7 ] هذه أخبار عن الغيب ، فكان كما أخبره كتابه المنزل عليه ومنها : اشتماله على غرائب الحكم وبدائع الكلم التي أعجزت الحكماء الأوائل عن الإتيان بمثلها ، فإن القرآن ينطوي على الحكم كلها ، علمها وعملها . قال اللّه تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النّحل : 89 ] الآية . وقال : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : الآية 38 ] . وقال : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [ يس : 12 ] وإنما تقاصرت عن معرفتها أفهام الخلق لشيئين : أحدهما : راجع إلى اللفظ من الإيجاز والحذف ، والمجازات والاستعارات والتشبيهات والإشارات اللطيفة إلى الأسرار والحقائق الشريفة ، والأساليب الغامضة البديعة . والثاني : راجع إلى المعنى وذلك لإتيانه بأصول تنطوي على فروع وشعب وبعضها بينها المصطفى - صلى اللّه عليه وسلم - وبعضها مفوض إلى استنباط الراسخين في العلم ، فما من برهان ودلالة ، وتقسيم وتحديد عن مجملات العقليات والسمعيات إلا والقرآن قد نطق بها على عادة العرب دون طريق المتكلمين والحكماء والمنطقيين ، ولذلك قال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] . وقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن لكل آية ظاهرا وباطنا ولكل حرف حدا ومطلعا » « 1 » . فعلى ذلك أن كل من كان حظه من العلوم وصفاء القلب أوفر . كان نصيبه من علم القرآن أكثر . ومنها : ترك المعارضة له والعجز عنها إلى يومنا هذا مع كثرة الخصوم ، وكثرة دعاويهم ومساس حاجتهم إليها ، وقد سلت عليهم السيوف وتغشاهم الحتوف ، وسبيت ذراريهم ، وانتهبت نفائس أموالهم إلى أن قال لهم : فليأتوا بمثل هذا القرآن ، ثم عجزوا عن الإتيان بمثله ، فلما عجزوا عن ذلك ، قال قل : فأتوا بحديث مثله ، فلما اشتهر عجزهم عن الجميع ، قال : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [ البقرة : 24 ] الآية . وكانوا هم الفصحاء اللد ، والبلغاء اللسن ، أهل الخطبة والنثر والنظم ، بها يحتجّون وعلى العجم بذلك يتباهون ، ومع ذلك قد عدلوا عن المعارضة ورضوا بالذل والصغار ، ووطنوا أنفسهم على القتل والقتال ، والتعرض للنوائب وقبول الجزية والذل والاسترقاق ، ولا يخفى أن العاقل إذا خير بين أمرين فعدل عن أحدهما
--> ( 1 ) ورد بلفظ : « إن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا » . أخرجه الزبيدي في اتحاف السادة المتقين ، ( 4 / 527 ) نسخة مصورة بيروت .